قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
النظام السياسي...النظريات والإنجازات والواقع

كثيراً ما نسمع في وسائل الإعلام أصداء عن وجود رغبة جادة في تطوير النظام في البلد، بغض النظر عن جدية هذه النوايا يوجد أمر ضروري يجب تمييزه عند تطوير النظم، هناك حقيقة ندعوها النظام نظرياً وحقيقة أخرى مغايرة تماماً ندعوها النظام في الواقع وكما يقول الشاعر ربيعة الرقي "لشتان ما بين اليزيدين في الندى   يزيد سليم و الأغر بن حاتم".

 

من الرائع أن يكون في بناء أي بلد أسس ومفاهيم سامية كالمساواة وتكافؤ الفرص وحرية التعبير مثلاً، نظرياً ما أكثر الدساتير التي تكفل أبسط حقوق الإنسان ولكنها واقعاً كثيراً ما تكون مجردة من أي قوة حقيقية، فهي مجرد حبر على ورق، فمثلاً في القرن الثامن عشر كان الدستور الأمريكي يزعم بأنه قائم على المساواة والعدالة ولكن ما أكثر الزنوج في ذلك الوقت الذين عانوا من حرمان أبسط الحقوق كحق الحياة وحق التعلم، لكن النظام الأمريكي اتبع خطوات جادة في "تفعيل" النظام ليشمل جميع شرائح المجتمع، حتى أننا اليوم وفي سياق الانتخابات الأمريكية نرى أبرز المرشحين من "أقليات" المجتمع، وانتصار أي منهما هو انتصار لتفعيل جانب تكافؤ الفرص في النظام الأمريكي، فهيلاري كلنتون امرأة وفوزها يعني نجاح المرأة في الوصول للمساواة مع الرجل في رئاسة النظام، ونجاح براك حسين أوباما هو انتصار للأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية في رئاسة الدولة، وصول أوباما وكلنتون ما هو إلا دليل عن حالة من الرغبة في تطوير النظام، وهذا بغض النظر عن ملاحظاتنا والمؤاخذات التي ترتبط بالنهج الأمريكي أو الديمقراطية الغربية.

 

قد يقول قائل أن هذه الولايات المتحدة ونحن نعيش في عالم يسمونه العالم الثالث، ولكن حتى في دولة الإسلام في ماضينا المجيد كنا نمتلك مثل هذه النظم، فعلى سبيل المثال الرسول الأكرم اختار أسامة ليكون قائداً للجيش لأنه يراه الأكفأ وليس لأنه يعود لعائلة غنية مثلاً، كما أنه اختار بلالاً ليكون مؤذناً له في المسجد مع أنه كان عبداً يشترى ويباع من قبل.

هكذا علمنا الإسلام وما نراه اليوم في الدول المتقدمة لم يأت إلا بعد أن درسوا بعض مفاهيم وأخلاق الإسلام الحقيقية وبلورتها مع ما يتناسب مع الواقع الموجود، فالكلام على الورق لا يعود بالفائدة على أي مجتمع إذا لم يفعل في الواقع.

 

في نظامنا لا تزال عقدة "الانجازات" تحكم الجرائد والأخبار التي نقراها كل يوم، الانجاز في حد ذاته أمر يطلبه الجميع، فكلنا نفكر في انجاز ما علينا ونفرح عندما ننتهي من "انجاز" أي عمل، ولكن عندما يتحول "الانجاز" إلى وهم ونعيش ونحن نصدق هذا الوهم فهذه كارثة.

 

عندما نبحث عن الانجازات في هذا البلد فإنه ينبغي أن يلمسها المواطن العادي ويشعر بتأثيرها في حياته اليومية، فوجودها محصور فقط على الأوراق وفي ملفات الوزارات، في الأمس القريب شاهدنا كيف كرم رئيس الوزراء المتميزين في عيد العلم، و لعل انجاز المتميزون موجود حقيقة ولكن لم نسمع عن خطة لتفعيل الانجازات، و إلى الآن لم نر خطة لتطوير واقع التعليم في البلد الذي أجمع الجميع في المؤتمر الذي عقد قبل فترة قصيرة برعاية ولي العهد على أنه "كارثة" ويجب تداركها قبل فوات الأوان، ولكن البعض يرى في هذه الكارثة "انجازات" تعج بها الصحف وتفتخر بها التربية والتعليم في كل وقت.

 

على صعيد آخر لا زالت هناك مشاكل ضرورية في ماهية وعملية التوظيف، كان بإمكان مشروع التوظيف الذي تبنته وزارة العمل أن يكون نقلة نوعية وظاهرة متميزة في العالم الثالث لو أنها عالجت قضية التوظيف بطريقة صحيحة، فالوزارة لم تضع يدها على الجرح الحقيقي في التوظيف الذي يكمن في التمييز وعدم تكافؤ الفرص وبعض المشاكل الأخرى، والتمييز في التوظيف يتميز بتشكيلاته الفريدة، فنحن لا نزال نعاني من التمييز على أساس المذهب والدين واللون والأصل وما إلى ذلك، صحيح أنه يوجد فجوة كبيرة بين مخرجات التعليم وسوق العمل ولكن إذا كان أسلوب التوظيف خاطئاً من الأساس وإذا كانت الفرص توفر لفئة معينة دون فئة أخرى فما فائدة المشروع دون علاج هذه المسائل؟، كان بالإمكان أن تصدر الوزارة قانوناً يجرم عدم توظيف شخص ما عندما تكون لديه الكفاءة المطلوبة، وكان بالإمكان أن نتحول من دولة لا تزال تدفع مرتبات عمالها على أساس شهري بينما الدول المتقدمة تدفع أجور عمالها على أساس "الساعة".

 

ولكن بدل هذه الخطوات الجريئة لا نزال نعوم فوق بحر من أوهام الانجازات التي يجب على الجماهير أن تكون ممتنة لها، عندما تكون القوانين التي تريد تطوير الناس في حيز الواقع فإنها تلاقي استحسان الناس، نحن لا نستطيع أن نلوم تذمر الناس إذا لم نفكر إلى الآن كيف نكسب قلوبهم إلينا، في المؤتمر الذي يرعاه مجلس التنمية يتكلم فيه الجميع عن المواطنة، ولكن كيف نطلب من الناس أن يحملوا هذا الشعور إذا لم نفكر كيف نوسع عيشهم في بلدهم، يقول أبراهام لنكولن "القائد الحقيقي والناجح هو الذي يكيف ويدير استحسان وعاطفة الشعب بدلاً من أن يصدر مراسيم وقوانين يثور عليها الناس".

 

المواطنة لا يمكن فرضها على أسرة فقيرة يشقى عائلها ليجني في أحسن الأحوال 200 دينار بحريني شهرياً وهو ابن البلد وصاحب الأرض، لا نستطيع أن نلوم الرجل الذي حنت السنون ظهره وهو يبيع الماء عند إشارة المجمعات التجارية في ضاحية السيف، المواطنة هي عاطفة أوتوماتيكية وعفوية تصدر عن قلوب الناس عندما يحبون وطنهم ويعيشون وهم مرتاحين البال فيه، المواطنة "انجاز" تفتخر به الدول المتحضرة ولكن يجب علينا أن نستوعب معنى الانجاز أولاً لكي نستطيع أم نحوله إلى حقيقة.

 

لذلك من المحتم علينا كمشاركين فاعلين في صياغة مستقبل مشرق للبلد يجب علينا أن نتفق على نقل المفاهيم الايجابية والنبيلة من حيز النظريات و"الانجازات" إلى الواقع المفعل والانجاز الحقيقي، لا أن نكتفي بآلاف الانجازات التي أصبحت مثل ثوب الإمبراطور أصحابها يرونها واقعة بينما جميع الناس تراها عارية من الصحة والواقعية، فهل علينا انتظار الطفل الذي سيزيل قناع الوهم و يظهر الحقيقة؟.

375425
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف