قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
النظام السياسي...الناس أولاً

في بناء النظام السياسي لا شك أن أي نظام يدرك أن اتخاذ أي قرار أو الإقدام على مشروع أو خطوة ترتبط بالشأن العام فانه ينبغي أن يكون مدروساً من جميع الجوانب أولاً، و ثانياً يجب أن يراعى فيه موافقة الناس وموقفهم منه، فإذا ما اختلف الناس حوله فإما أن تقوم الدولة بإيضاح الجوانب المضيئة وتوعية الناس بأهميته أو أن تؤجله الدولة حتى يصبح مناسباً لظروف المجتمع ومقبولاً لدى الناس، أما إذا قوبل ذلك برفض قاطع من قبل الناس  لإيمانهم بضرره عليهم مثلاً فعلى الدولة أن تمتنع عن تطبيقه، ففي الولايات المتحدة الأمريكية في قضية شهيرة في عهد الجنرال مكارثي الذي اتهم العديد من الناس ظلماً بأنهم ينتمون إلى الشيوعية في إبان الحرب الباردة، و قدمهم للتحقيق و ذنبهم الوحيد هو أنهم كانوا قد أطلقوا لحيهم، فكان رد الإدارة الأمريكية بان فصلته من منصبه و برأتهم*1. هذا يعني أنه لا يحق لأي دولة أو أي نظام أن يفرض نموذجا معينا على الناس وهذا في جميع الأصعدة السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية وغيرها. لذا لا بد أن يأخذ أي نظام بعين الاعتبار مجموعة من النقاط التي تحدد علاقته بالمجتمع وتترتب عليها الكثير من القرارات المهمة في أي بلد.

 

أولاً أن الناس هي التي تشكل الدولة فهم مركز قوتها وعنوان وجودها، فبدون مجتمع عمال البناء لا يمكن لأي بناء أن يشيد، وبدون مجتمع الاقتصاد لا يمكن للدولة أن تبيع أو تشتري فتصبح مقطوعة عن العالم، وعلى هذا المنوال فإن الناس يمثلون مركز الثقل في تركيب الدولة، فإذا كان الناس أقوياء فإن الدولة ستكون قوية، و إذا كانوا قلقين وضعفاء فإن الدولة ستصبح هشة وضعيفة، بل أنها تصبح مهمشة في المجتمع الدولي.

فإذا كان المجتمع الذي يتشكل من الناس مهماً جداً لهذه الدرجة فعلى أي نظام أن يخلق علاقة جيدة تضع المجتمعات التي تشكلها على رأس قائمة الأولويات.

 

من جهة ثانية فإن أي قرار سيتخذه النظام سوف ينعكس على هذه العلاقة وعلى النظام وعلى المجتمع، فلا بد أن يكون المجتمع جزءاً مهماً في عملية اتخاذ وصياغة القرار، ويجب أن يكون مقبولاً من قبل الناس، لأن رفضهم سوف يجعلهم أمام أحد خيارين إما القبول مكرهين بهذا القرار وتدريجياً سوف سيجعلهم يسقطون في فخ الإحباط، والإحباط حفرة يصعب صعودها لبلوغ الأمل والعزم إذا ما انزلق فيها المجتمع. والاتجاه الثاني هو الرفض الذي سيتحول بالتدريج إلى تمرد على النظام، وهذا سيخلق مشاحنات ومصادمات دائمة تهدد الاستقرار وتعيق عملية التنمية، وهذا إذا ما كشف أمراً فإنه يكشف إما ضعف النظام في اتخاذ القرار أو جوره واستبداده، وغالباً ما يكون الخيار الثاني هو السائد.

 

و تخطئ العديد من الأنظمة عندما تعتبر أن  أي فرد أو حزب أو جمعية تنتقد أي قرار في الدولة أنها معارضة مناوئة لوجود الدولة. هذا الفهم القاصر يستوجب بعض الإيضاح، فطالما أن القائمين على النظام هم من جنس البشر فهم معرضون للخطأ، والإنسان يتعلم من الأخطاء، نحن لا نسمع بدولة كاملة منزهة عن النقد إلا إذا كان نظامها الحاكم يتبع العصا و الهراوة في تسيير الدولة، فكما يقول الرئيس هاري ترومان في محاضرته في جامعة كولومبيا العريقة عام 1959 "عندما يكون لدينا حكومة كاملة كافية فان ذلك يعني أنه لدينا دكتاتورية"*2، نحن لا نريد أن نسمع عن انجازات وهمية أو توصيفات و تبجيل في نظام و كأنه منزل من الخالق عز و جل، نحن نريد كلاماً واقعياً عن النظام، والنقد يهدف إلى تطوير الشيء و ليس دحضه وتخطئته فقط.

 

من هذا المنطق تنطلق فكرة الشراكة المجتمعية بين الناس والدولة من أجل صياغة أي قرار مصيري ومهم في النظام. يؤمن عرّاب السياسة الأمريكية وأحد أهم الرؤساء الأمريكيين بأنه "لا أظن أنه يوجد أي قوة عظيمة تضاهي قوة الناس أنفسهم في أي مجتمع، و إذا كنّا نظن أنهم غير مؤهلين ليمارسوا سيطرتهم بحرية كاملة فإننا يجب أن لا نسلبها منهم، بل علينا أن نخبرهم و نوعيهم عنها"*3. توفي جفرسون قبل مائتي عام تقريبا ولكن حكمته لا تزال حقيقة حية إلى يومنا هذا.

 

عندما يستخدم الناس قوتهم فإن الدولة ستصبح قوية أيضاً، ولكن عند تهميش المجتمع فإننا نهمش أكبر وأقوى مقومات النظام، لذلك لا بد من إشراك الناس في النظام واتخاذ القرار في الواقع و ليس فقط على أوراق الأرشيف أو عندما تقتضي مصلحة النظام. فالقوة في المجتمع، فإن كان على توافق مع النظام فإن النتاج سيكون راقياً وباهراً، ولكنه إذا كان على عداء وتمرد مع النظام فإن النظام هو الذي سيظهر ضعيفاً ومستبداً وليس الناس.
*1- US Supreme Court Center
supreme.justia.com
May 2008
*2- Massachussettes Institue of Tachnology
ocw.mit.edu/.../1-212JSpring-2005/A2D26B8E-8145-4AB8-A9D0-071893F27B1A/0/boston_presentat.pdf
May 2008
*3- The Ohio State University
ohioline.osu.edu/b835/b835_1.html
May 2008
375423
أخبار | مقالات وبحوث | حوارات | أسئلة وردود | الاستبيانات | معرض الصور | مكتبة الصوتيات | مكتبة الكتب | كتّاب الموقع | اتصل بنا | البحث المتقدم | الأرشيف